وضع داكن
26-07-2026
Logo
الخطبة : 1048 - الأمانة وأداءها ، كيف نقنع الناس بهذا الدين العظيم - الجهاد البنائي .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومن تَبعه إلى يوم الدين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. 

مقدمة هامة:


1 – لا بُدَّ أن نعيش مع الآخرين ونتواصل معهم:

أيُّها الإخوة الكرام: متابعةً للخُطبة السابقة التي أكدتُ فيها على أنَّ المسلمين معهم كتابٌ كريم، ومعهم سُنَّةٌ مُطهَّرة، وهناك شروحاتٌ وتفسيراتٌ لهذا الكتاب وتلك السُنَّة، ولكن المُسلم اليوم لا يستطيع أن يعيش وحده، فقبل مئة عامٍ كان كل بلدٍ على حدة، كل بلدٍ يعيش وحده من دون تواصل، أمّا الآن فالعالَم كله أصبح سطح مكتبٍ بعد أن كان غرفةً، بعد أن كان بيتاً، بعد أن كان قريةً، بعد أن كان قارةً، الآن ما يحدُث في العالَم، يصل إلى أي مكانٍ في العالَم في ثوانٍ معدودة.
فلذلك المُسلم شاء أم أبى، أعجبه أم لم يُعجبه، يعيش مع الآخرين، وهذا العيش المُشترَك يقتضي أن نُقنِع الناس بهذا الدين العظيم، هُم توهموه إرهاباً وقتلاً وجهلاً وتخلفاً، كيف نُقنِعهم أنَّ ديننا حضاري؟ أنّ ديننا دين سلامٍ، دين محبةٍ، دين عطاءٍ، دين نظامٍ، الطرف الآخر مستحيلٌ وألف ألف ألف مستحيل، أن يتجشم مشقَّة فتح كتابٍ لنا، هُم لا يرون المُسلمين من خلال كتُبنا، ولا من خلال قُرآننا، ولا من تفسيرات قُرآننا، ولا من كتُب الحديث، ولا من شروح الحديث، هُم لا يرون المُسلمين إلا من واقعهم، فإذا كان واقعهم متخلفاً فلا سبيل إلى الدعوة إلى هذا الدين، ما لم نُصلِح اعوجاجنا، ما لم نتعاون، ما لم نحل مشكلاتنا.
هناك مقاييسٌ حضارية: البِطالة مقياس، العنوسة مقياس، الأُميَّة مقياس، العمل مقياس.

2 – العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها الا اذا صحَّت العبادات التعاملية:

أيُّها الإخوة الكرام: متابعةً للخُطبة السابقة، أُريد أن أؤكِّد لكم وقد أكدت هذا مِراراً، أنَّ الدين عباداتٌ شعائرية وعباداتٌ تعاملية، ومنذ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يؤكِّد من خلال مئات النصوص الصحيحة القطعية، أنَّ العبادات الشعائرية لا تُقطَف ثمارها إلا اذا صحَّت العبادات التعاملية، وأكبر خطأٍ، وأكبر خللٍ، وأكبر وهمٍ وقع فيه المسلمون، أنهم تصوروا أنَّ الدين عباداتٌ شعائريةٌ ليس غير، مع أنَّ ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد الإسلام ، مع أنَّ أداء الحقوق مُقدَّمٌ على النوافل. 

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجلٌ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها وصَدقَتِها وصيامِها، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بِلِسانِها؟ قال: هيَ في النَّارِ، قال: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدقَتِها وصَلاتِها، وإنَّها تَتَصدَّقُ بالأَثوارِ مِن الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها بِلسانِها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ ))

[ أخرجه البخاري وأحمد ]

(( عُذِّبتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سجنَتْها حتى ماتت، فدخلت فيها النارَ، لا هي أطعمَتْها وسقتْها، إذ هي حبستْها، ولا هي تركتْها تأكلُ من خشاشِ الأرضِ  ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

النمَّام يُصلّي ويصوم، لكنه لا يدخُل الجنَّة، لأنه أفسَد العلاقات.

3 – هذا هو الدين:

أيُّها الإخوة: متى نصحو؟ متى نرى الدين ليس في الصلاة والصيام والحج والزكاة فقط؟ الدين في المُعاملة، الدين في الالتزام، الدين في الأمر والنهي، أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، الدين أن تكون وقّافاً عند حدود الله، الدين أن تكون صادقاً، الدين أن تكون أميناً.
واللهِ قبل يومين التقيت بإنسانٍ يعمل في تجارة الأغذية، وعن طريق سفراته الكثيرة، عثَرَ على مُنتجٍ غذائي كُتِبَ عليه سمنٌ بقريٌ صافٍ، فسعر العبوة بالنسبة إلى مبيعها هناك مسافةٌ كبيرةٌ جداً، ويمكن أن يُحقِّق عشرات الملايين من صفقةٍ واحدة، لأنه مُسلمٌ ويخاف من الله، بحث عن هذا المنتج بحثاً دقيقاً، فعلِم فيما بعد أنه من فضلات المسالخ، وقد يكون لحم خنزير، وقد يكون عظم خنزير، وقد يكون عيون البقر، فألغى عشرات الملايين، وركلها بقدمه، لأنه خاف من الله، هذا الذي نريده، نريد صدقاً، نريد أمانةً.
والله أعرف أخاً أشاد بناءً، وتأخَّر في نقل ملكية البناء إلى أصحابه ثلاثاً وعشرين سنةً، لأسبابٍ ليست منه، لروتينٍ مُعيَّن، فظنَّ أصحاب هذه الأبنية في أنفسهم شيئاً، فالبيت اشتُرِي باثني عشر ألفاً صار ثمنه اثني عشر مليوناً، وليس باسمه، توهموا أنَّ صاحب المشروع سيُعرقِل السجل الرسمي بُغية ابتزاز أموالهم، دفعوا له مبلغاً فلكياً، قال: لا والله، لا آخذ شيئاً، أنا بعتكم في ذاك الوقت وأخذت أرباحي، وليس لي عندكم شيء، والتأخير ليس منّي، فلمّا آن الأوان نقل لهم هذه السجلات الرسمية، هذا هو المُسلم، إيّاك أن تظن أنَّ المُسلم هو مَن يُصلّي، والله الذي لا إله إلا هو، صلاةٌ من دون استقامةٍ لا وزن لها عند الله، ولا تعني شيئاً. 

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا ‌بِمَحَارِمِ ‌اللَّهِ ‌انْتَهَكُوهَ  ))

[ أخرجه ابن ماجه ]

في اللحظة التي تتوهم أنَّ دينك في المسجد فأنت واهم، دينك في البيت. 

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي، وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوه ))

[ أخرجه الترمذي وابن حبان ]

دينك في العمل، في دُكانك، في البضاعة التي تبيعها، في السعر الذي تُحدِّده، في المُعاملة التي تعامل بها زبائنك، دينك في عيادتك، هذا المريض أمانةٌ في عنقك.
أيُّها الإخوة الكرام: إذا فهمنا الدين بهذا النحو، يمكن أن ننتصر، يمكن أن نُقنِع غيرنا بهذا الدين العظيم. 

قصة مستشفى قلاوون ليست عنا ببعيد: 


قصة المستشفى في الخُطبة السابقة أنا ما قصدتها بالذات، قصدت أبعادها، إنه مستشفى حضاري، لكل مريضٍ رجُلان يعتنيان بصحته، لكل مجموعة مرضى من مرضٍ واحد لهم جناحٌ خاص، هناك قاعةٌ للتدريس، مستشفى تعليمي، كان هذا قديماً في مصر، مستشفى الناصر قلاوون، والذي يخرُج من المستشفى له كسوةٌ ومبلغٌ من المال يكفيه ليُنفِق على نفسه في أثناء النقاهة، وقد فصَّلت في هذا الموضوع كثيراً، حول هذه المستشفى التي تُعد إسلاماً عظيماً، وحضارة، أصبحت الآن مأوى للمشعوذين والدجَّالين، يأتي المريض فيمسُّ عمامة هذا الناصر قلاوون من أجل شفاء وجعٍ في رأسه، يمسُّ قُفطانه من أجل شفاء مرضٍ في جسمه، يُجبِر ابنه على أن يلحس حجراً حديدياً مع الحمض الشديد كي ينطِق سريعاً، أصبح هذا المكان مكان دجلٍ وشعوذةٍ وخُرافةٍ، ليس غير.
فيا أيُّها الإخوة: نحن لسنا وحدنا في الحياة، نحن مُحاطون بأُممٍ وشعوب، وكلها ترانا متفلتين، ترانا جهلة، إرهابيين، عنيفين، كيف نُقنِع الناس بهذا الدين العظيم؟ 

سُبل إقناع الناس بالإسلام: 


أيُّها الإخوة: من هُنا انطلقت هذه الخُطبة الثانية.

1 – أمانةُ الولايةِ:

أولاً: أمانة الولاية يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناسُ الأمراءُ والفقهاءُ وفي روايةٍ: إذا صلحا صلحتِ الأمةُ وإذا فسدا فسدتِ الأمةُ السلطانُ والعلماءُ ))

[ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وتمام في الفوائد وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ]

العلماء يعلَمون الأمر، والأُمراء يُطبِّقون الأمر، لذلك حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)﴾

[ سورة النساء ]

قالوا: أولو الأمر هُم العلماء والأُمراء، العلماء يعلَمون الأمر، والأُمراء يُنفِّذون الأمر، فإذا فسد هذان الصنفان فسدت الأُمة.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: 

(( كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكم مسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، الإمام راعٍ ومسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، والرَّجل راعٍ في أَهله، وهو مَسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومُسؤولة عن رعِيتها، والخادم راعٍ في مال سيده، ومَسؤول عن ‌رَعِيَّتِهِ، قال: وحَسِبْتُ أن قد قال: والرَّجل راعٍ في مال أَبيه، ومسؤُول عن ‌رَعِيَّتِهِ، وكُلُّكُم راعٍ ومسؤُول عن رَعِيَّتِه))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

جوهر الدين أنك مسؤولٌ عن عملك، أقامك الله زوجاً، أقامك الله أباً، أقامك الله صاحب متجرٍ، صاحب معملٍ، مدير مستشفى، رئيس جامعة، أستاذاً في صفٍ، طبيباً، مهندساً، الله عزَّ وجل سيسألك عن عملك، ودينك في عملك، ورعك في عملك، استقامتك في عملك، رقيّك عند الله من خلال عملك، أنت في المسجد تتلقى تعليمات الصانع ليس غير، وفي المسجد قد تقبض الثمن اتصالاً بالله عزَّ وجل، ولكن مكان العمل والتديُّن هو في عملك.
أيُّها الإخوة: فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، زوجة عمر بن عبد العزيز، دخلت عليه فجأةً في مُصلَّاه فرأته يبكي، قالت: <<ما لي أراك باكياً؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحَّت عليه قال: ويحك يا فاطمة، إني قد ولّيتُ أمر هذه الأمة، ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهول، واليتيم المكسور، والمظلوم المقهور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير والرزق القليل، وأشباههم في أطراف البلاد، فعلمت أنَّ الله سيسألني عنهم جميعاً، وأنَّ خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبُت حُجَّتي، فلهذا أبكي>> .
هل أحدٌ من الإخوة الحاضرين ليس له عمل؟ فهو في عمله مسؤولٌ عن عمله.

2 – أمانةُ التوليةِ:

أيُّها الإخوة الكرام: من مسؤوليات الولاية مسؤوليات التولية، سيدنا عمر عيَّن والياً وقال له: <<ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ قال له: أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيتك مَن هو جائعٌ أو عارٍ فسأقطع يدك، إنَّ الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفّرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلِقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية>> .
أيُّها الإخوة الكرام: 

(( عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قُلتُ: يَا رسُولَ الله، أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ - أي وظيفةٍ أو منصِبٍ -  فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا ))

[ أخرجه مسلم ]

أمانة التولية لا تبتعدوا كثيراً، هل هناك أقلُّ من مُعلِّمٍ في صفٍ ابتدائي عنده ثلاثون طالباً، أراد أن يُعيِّن عليهم عريفاً، فإن عيَّن قريبه، وفي الصف مَن هو أفضل منه، فقد خان الله ورسوله، فما بالك بما فوق ذلك؟ أبدأ بمُعلِّم الصف، إذا عيَّن عريفاً ليس كُفءً، لأنه أخ زوجته إرضاءً لزوجته، وفي هؤلاء الطلاب الثلاثين مَن هو أفضل منه يقظةً واهتماماً وإدارةً، بنَص الحديث الشريف فقد خان الله ورسوله، فما فوق ذلك.
أيُّها الإخوة الكرام: هل تُصدِّقون، والله لعلَّ هذه الخُطبة تُخيفنا جميعاً، لكن الحقيقة المُرّة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هذا الطالب الذي عندك أيُّها المُعلِّم هل تُصدِّق أنه أمانةٌ في عنقك، هل علَّمته تعليماً صحيحاً؟ هل تابعته؟ هل قرأت وظائفه؟ هل علِمتَ أين نقاطُ ضعفه؟ هل وجَّهته؟ هل ربَّيته؟ هل نصحته؟ هل تَتبَّعت صلاته؟ أنت مُعلِّمٌ مُربٍّ، يقول لك: أنا أعمل على قدر الراتب، أنا أنصح الذي يقول هذا الكلام أن يستقيل فوراً، لئلّا يُحاسبه الله عزَّ وجل، ويبحث عن عملٍ يُحقِّق طموحه، فما ذنب هذا الصغير لتنتقم من الجهة التي عيَّنتك براتبٍ قليل من طفلٍ بريءٍ؟ ما ذنبه؟! فلذلك المُعلِّم كل طالبٍ في عنقه أمانة، وإنَّ الله سبحانه وتعالى سيسأله عنه يوم القيامة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾

[ سورة النساء ]

لم يقل: أن تؤدّوا الأمانة، قال: (أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ) لأنه مرتبطٌ فيك مئات الأمانات، فأنت كمعلِّمٍ هل بيَّنت لهم أنَّ نظرية داروين غير صحيحة، وهي ساقطة، وهذه الأدلة؟ أم أنك تُلقي هذه النظرية على الطلاب في الصف الحادي عشر، وأنت مرتاح، علَّمتهم أنَّ الإنسان بدأ من مخلوقٍ وحيد الخليَّة وتطور، فأين ذهب القرآن؟ أين آدم وحواء؟ من أين بدأت الخليقة في القرآن الكريم؟ أنت إن لم تشرح لهم مخاطر هذه النظرية وبُطلانها فقد خُنت الأمانة.

3 – أمانة الصناعات والحرف:

أيُّها الإخوة الكرام: وهل تُصدِّقون أيُّها الإخوة أنَّ هذا المريض أمانةٌ في عنق الطبيب؟ هل نصحته أم أخفته؟ هل دللته على شيءٍ لصالحك لا لصالحه؟ هل نصحته بإجراء عمليةٍ وهو لا يحتاجها، لأنك طبيبٌ جراح؟ 
 والله أيُّها الإخوة: والله الذي لا إله إلا هو، سوف نُحاسَب على كل حركةٍ وسكنة، المُحاسبة في عملك، وأنا أُقسِم لكم بالله، أنَّ الطبيب المؤمن لا يمكن أن يُوصَّى، لأنه يُعامل هذا المريض كعبدٍ من عباد الله، وهو يعلم دائماً أن الله يراقبه، أنا لا أنفي وجود إخوةٍ كرامٍ من الأطباء الكبار المستقيمين الورعين، هؤلاء مفخرةٌ لنا، هؤلاء ملوك الأطباء، ولكن هناك من يستغل جهل المريض، فيبتز ماله بطريقةٍ أو بأُخرى.
لذلك دين الطبيب في عيادته لا في المسجد، دين المحامي في مكتبه، هل تعلم علم اليقين أنَّ هذه الدعوى لن تنجح وهي خاسرة؟ لماذا تقبل أن تكون وكيلاً للمُدَّعي؟ وتعلم عِلم اليقين، أنَّ هناك اجتهاداً في محكمة النقض، لا يسمح لك أن تنال هذه الدعوى، لكن تقول: معنا ثماني سنوات نأخُذ منه ما شئنا، هذا المحامي الذي يبتز أموال الناس يجب أن يعتقِد أنه ألغى عباداته كلها، ألغى صلاته وصيامه وحجّه وزكاته، والله لولا أنَّ هذا الموضوع خطيرٌ جداً، لما تجرَّأت على أن أبوح به، دينك في عيادتك، في مكتب المحامي، أنت مدرس رياضيات تُعطيهم امتحاناً يفوق طاقتهم جميعاً، أكثر الطلاب حصلوا على أصفارٍ، هُم بحاجةٍ إلى دروسٍ خاصةٍ عندك، شيءٌ دقيق، الله وحده يعلم، أنا لا أستثني حِرفةً، ولا أُنزِّه حِرفة، كل حِرفةٍ يمكن أن تكون أكبر عملٍ صالحٍ لك، وكل حِرفةٍ يمكن أن تكون أكبر سببٍ مُهلِكٍ لك.

(( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: للهِ، ولكتابه، ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ ))

[ أخرجه مسلم ]

والمؤمن ينصَح.
أيُّها الإخوة الكرام: الأبنية والمُنشآت والجسور والطُرقات، أمانةٌ في عنق المهندس المصمِّم، كم بناءٍ ينهار في بلادٍ كثيرة، ينهار ويموت مع هذا الانهيار عشرات الأشخاص؟ لماذا انهار البناء؟ لخطأٍ في تصميمه، أو لخطأٍ في متابعته، أو لخطأٍ في المواد، الإسمنت قد انتهى مفعوله، الحديد فيه شوائب فحمية، فالذي صنع الحديد، وأهمل مراقبة الحديد يدفع الثمن، والله الذي لا إله إلا هو سوف نُسأل سؤالاً دقيقاً:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحجر ]

الصَنعة والحِرفة أداةٌ وأمانةٌ في عنق صاحبها، هل أتقنها؟ هل حسَّنها؟ هل طوَّرها أم أهملها؟ فكانت العيوب والنقائص، وكان الخلل والكساد، إتقان الصَنعة جزءٌ من الدين.

التوحيد لا يعفي العبد من المسؤولية:


أحياناً تُركِّب لوحَ بلّورٍ بسرعةٍ بوسائل غير صحيحة، يقع هذا اللوح، ويقتل طفلةً كالوردة المتفتِّحة، أنت تُحاسَب على ذلك، نحن في بلادنا من خطئنا الفادح أنَّ كل خطرٍ أصابنا نقول: هكذا ترتيب الله، هذا غير صحيح، والدليل، طبعاً هو من فعل الله، لكن الذي فعل ذلك مُحاسبٌ عند الله.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[ سورة النور ]

دقِّقوا: (وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) لا يمكن أن يُعفي التوحيد من المسؤولية، مريضٌ جاء إلى الإسعاف فأهملته نصف ساعة فمات، لا تقُل: مات بأجله، وهذا ترتيب الله عزَّ وجل، سبحان الله ليس له عمر!!  أنت مُحاسبٌ عن هذا التقصير، ويوم نفهم أعمالنا أمانةً وسنُحاسَب عليها، عندئذٍ يمكن أن ننتصر على أعدائنا، بل يمكن أن نُقنِع أعداءنا أن ديننا حضاري.

4 – أمانة البيئة:

أيُّها الإخوة الكرام: الشجرة والنبتة أمانةٌ في عنق المُزارع، أحياناً يُسمِدُّها بأسمدةٍ تضرُ الإنسان، وأحياناً يُعطيها هرموناتٍ تزيد من حجمها، ويرتفع السعر على حساب الصحة، هناك هرموناتٌ مُسرطنة، وهي ممنوعةٌ دولياً، لكنها تُشترى تهريباً، وتُبَخُّ بها هذه النباتات، فإذا بالثمار كبيرةٌ وزاهيةٌ وبلا طعمٍ، صفاتها الفيزيائية عاليةٌ جداً والكيميائية صفر، من أجل الربح نُسبِّب للناس أمراضاً كثيرةً.
هل تُصدِّقون أيُّها الإخوة، أنَّ مادةً كيميائيةً تُرَش بها كروم العنب، هذه المادة جهازيةٌ تدخُل في بُنية حبة العنب، مهما غسلت هذا العنقود، تكون المادة المُسرطنة ضمن بُنية حبة العنب، هذه المادة إذا أُكِلَ العنب قبل ستة أشهرٍ من مُضي البَخ، تُسبِّب السرطان، لكن هذا الدواء مُريحٌ للمُزارع لا يُبقي دبوراً، وقد يأكل الدبابير خُمس المحصول، وبهذه الطريقة سَلِم المحصول ومات الناس، لماذا نِسَب السرطان صارت عشرة أضعافٍ؟ من المواد الحافظة، والمواد المُسرطنة، والمواد الكيماوية، وهناك صناعاتٌ غذائيةٌ خطيرةٌ جداً.
لذلك أيُّها الإخوة: لا تتألم من شدّة الدولة في مراقبة المواد، ولا تفرح بمادةٍ مُهرَّبة، قد يكون التهريب سبب إخفاء انتهاء صلاحيتها، على كلٍّ حينما تفهم الدين في عملك، في دكانك، في معملك، يمكن أن تُضاف مادةٌ مُسرطنة إلى مادةٍ غذائيةٍ تزيد من لونها الأبيض، ويرتفع السعر على حساب صحة الناس، فلذلك قضية الدين قضيةٌ أساسية، والله الذي لا إله إلا هو، أنا لا أفهم الدين أبداً في المسجد، بل هو في معملك، في دكانك، في عيادتك، في مكتبك الهندسي، في صفِّك أيُّها المُعلِّم، في حقل التجارب أيُّها المُزارع، في البناء أيُّها المُهندس.

5 – أمانة المواطنين المراجعين:

أيُّها الإخوة الكرام: هذا المُراجِع أمانةٌ في عنق الموظف، بإمكانك أن تُعطيه الموافقة بدقيقةٍ، تقول له: تعال غداً، هو جاء من حلب، كلمة: تعال غداً تقتضي أن ينام في الفندق، ويدفع ألف ليرةٍ، وبإمكانك أن تُعطيه الموافقة اليوم، هو أمانةٌ في عنقك، بإمكانك أن تُسهِّل له الموافقة، وبإمكانك أن تضع العراقيل أمام هذه الموافقة، من أجل ابتزاز ماله، هو أمانةٌ في عنقك، وإن الله سيسألك عن هذه الأمانة.

6 – أمانة المعاملات:

البيوع أمانة، الديون أمانة، المواريث أمانة، الودائع أمانة، الرهون أمانة، العواري أمانة، الوصايا أمانة، الهِبات أمانة.

7 – أمانة الأعراض:

يدخُل في هذه الأمانة أمانة الأعراض، كفُّ النفس، والسمع، والبصر، واللسان، واليد عن أعراض الناس، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: 

(( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ أَحدُ الرُّوَاةِ : تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ، قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ:  مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ))

[ أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد ]

أيُّها الإخوة: أمانة اللسان أنْ لا تنطِق إلا بالحقّ، ولا تقبَل إلا الحقّ، ولا تغتَب، عدَّ الإمام الغزالي أنواع المعاصي المُتعلِّقة باللسان بالعشرات في كتابه.

8 – الأمانة العلمية:

أيُّها الإخوة الكرام: والأمانة العلمية أمانة، تُترِجم كتاباً وتَعزوه إليك، هو ليس من عندك، تأخُذ نصَّاً ولا تذكُر من أين أخذت هذا النَص، هذا أيضاً يتناقض مع الأمانة العلمية.
أيُّها الإخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ سائِلٌ كلَّ راعٍ اسْتَرْعَاهُ رَعِيَّةً قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، حتى يَسْأَلَ الزوجَ عن زوجتِه، والوالدَ عن وَلَدِهِ، والربَّ عن خادِمِهِ، هل قام فيهِم بأَمْرِ اللهِ ))

[ الألباني السلسة الضعيفة ]

9 – أمانة المجالس:

أيُّها الإخوة: المجلس أمانة، يجب أن تحفظ أمانة المجلس، إلا إذا كان في المجلس خِطةٌ لانتهاكِ عِرض إنسانةٍ، إن سكتّ فقد خُنت الأمانة، إن كان في المجلس خِطةٌ لنهب مال زيدٍ أو عبيد، إن سكتّ فقد خُنت الأمانة، انتهاكُ عرضٍ، أو أكلُ مالٍ، أو سفكُ دمٍ، هذه المجالس عندئذٍ الأمانة أن تبوح بمضامينها، يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( المَجالسُ بالأمانةِ إلَّا ثلاثةَ مجالسَ سفكُ دمٍ حرامٍ أو فرجٌ حرامٌ أو اقتطاعُ مالٍ بغيرِ حقٍّ ))

[ أخرجه أبو داود وأحمد ]

10 – أمانة العلاقات الزوجية:

بقيَت أمانة العلاقات الزوجية: 

(( إنَّ مِن أعظَمِ الأمانةِ عِندَ اللهِ يَومَ القيامةِ الرَّجُلَ يُفضي إلى امرَأتِه وتُفضي إليه، ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّها))

[ صحيح مسلم ]

في مجالس الفَسَقَة يتحدَّثون عن زوجاتهم، وفي مجالس الفاسقات يتحدثنَّ عن أزواجهنّ، وعن علاقاتهنّ الحميمة، وعن عيوب الزوج، وعن عيوب الزوجة، وهذا من أشدِّ أنواع الأمانة. 

الدين شامل لنواحي الحياة كلّها: 


أيًّها الإخوة: الحقيقة الموضوع طويل، ويجب أن تعلم، والله ولا أُبالِغ أنَّ الدين خمسمئة ألف بندٍ، في تجارتك، في عملك، في كسب مالك، في أفراحك، في أتراحك، في حِلِّك، في ترحالك، في سفرك، في السِلم، في الحرب، في الشدَّة، في الفقر، في الغِنى، كل شيءٍ تفعله تُحاسَب عليه (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
حينما يرى العالَم الآخر، مجتمعاً إسلامياً، قوياً، مُتماسكاً، مُتعاوناً، يعمل بدأبٍ ومتابعة، يُتقِن عمله، يَصدُق في كلامه، يُؤتمَن على ما أُمِّنَ عليه، مثل هذا المجتمع يُعطي فكرةً أُخرى عن المُسلمين.
قلت مرةً في أستراليا، على الإذاعة في لقائي الأخير خاطبت مُسلمي أستراليا قلت لهم: هذا الأسترالي لا يمكن أن يفتح كتاباً إسلامياً، لا يعنيه ذلك إطلاقاً، لن يفتح تفسير القرآن، ولا فتح الباري في شرح صحيح البُخاري، ولا تفسير القُرطبي، ولا أي كتابٍ إسلاميٍ آخر، إنه يتعرَّف على الإسلام، من خلال هؤلاء المُسلمين الذين أمامه، فإن كذبوا، واحتالوا، وقدَّموا تصريحاتٍ كاذبة، وابتزوا أموال بعضهم بعضاً، وكانوا مُتخلفين، وكانوا مُنحرفين، هؤلاء لن يقتنعوا بالإسلام.
لذلك أُثرَت كلمةٌ عن الذي رسم نبينا عليه الصلاة والسلام برسوماتٍ تُشوِّه سُمعته، والنبي فوق ذلك، قال: كنت أظنه كأتباعه، لذلك الآن بطولتك أن تكون سفيراً للمُسلمين، المؤمن صادقٌ أمينٌ عفيف، إن حدَثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استُثيرت شهوته فهو عفيف، لو بقيت ساكتاً، صِدقُكَ دعوةٌ إلى الله، وكذلك أمانتك دعوةٌ إلى الله، وكذلك عِفَّتك دعوةٌ إلى الله، وقد تكون الدعوة الصامتة أبلغ من الدعوة الناطقة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله. 

* * *

الخطبة الثانية: 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله و صحبه أجمعين. 

أنت مُكلَّفٌ بما تستطيع عليه وتقدِر: 


أيُّها الإخوة الكرام: أنت لست مُكلَّفاً أن تُقنِع العالَم الغربي بالكفِّ عن العدوان على المُسلمين، لست مُكلَّفاً لأنك لا تستطيع، ولست مُكلَّفاً أن تُغيِّر المجموع العام، لأنك لا تستطيع، والله عزَّ وجل لا يُكلِّفك إلا ما تستطيع، الذي تستطيعه بيتك وعملك فقط، ولست مُكلَّفاً بشيءٍ آخر.
الشيء الآخر: تكلم، انصَح، لكن ليس معك سلطة.

(( عن عثمانَ بنِ عفانَ رضِيَ اللهُ عنه قال : إنَّ اللهَ يزعُ بالسلطانِ ما لا يزعُ بالقرآنِ ))

[ مجموع فتاوى ابن باز ]

 أنت مُسلمٌ عادي، مواطن، مدرس، مهندس، أستاذ جامع، ما الذي تَملِكُه؟ تَملِك بيتك، وتَملِك أهلك، وتَملِك نفسك، وتَملِك عملك، فإذا كل واحدٍ منّا الآن، عاهد ربَّه أن يُقيم الإسلام في بيته، وفي عمله، وفي نفسه، فقد انتهت مهمته، أدّى الذي عليه، وبقيَ من الله الذي له، فالمرأة كيف تُسهِم في انتصار الأُمة؟ حينما ترعى أولادها، حينما تُربّيهم، حينما تُتابع تحصيلهم، حينما تُتابع صلاتهم وعبادتهم، حينما تُتابع أخلاقهم، تكون هذه الأُم وهي في البيت، قد أسهَمَت في انتصار الأُمة. 

كيف تُسهِم في بناء وانتصار الأُمة؟ 


طالبٌ كيف يُسهِم في انتصار الأُمة؟ إذا أتقَنَ دراسته، وكان عالِماً حقيقةً، فبدل أن نأتي بخبيرِ يأخُذ عشرين ضعفاً أو مئة ضعفٍ، يأتي هذا الإنسان ويوضَع في عملٍ، فيُقدِّم لأُمته العِلم الوفير والخبرة والذكاء.
أنا أقول لكم: الطبيب والمُدرِّس والمُحامي والمُهندس والبائع والموظف والضابط، وأي إنسانٍ على هذه الأرض الطيِّبة، بإمكانه إذا أتقَن عمله، ونفَعَ به المُسلمين، أن يُسهِم في انتصار الأُمة، هذا الجهاد اسمُه الجهاد البنائي، يسبِق الجهاد القتالي، ودليله في القرآن الكريم:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

[ سورة الأنفال ]


نحن في عصر لغة القوة: 


الآن اللغة للأقوى، الضعيف لا مكان له إطلاقاً، هناك أسلحةٌ مُتطورة بشكلٍ لا يُصدَّق، لذلك القوة هي الحاكمة الآن، نحن في عصر الغاب، نحن في مجتمع المادة، كل واحدٍ يمكن أن يُفترَس والحقّ معه، تقول: معي حقّ، أنا أُندِّد، أنا أستنكِر، أنا أشجُب، تحرِق عَلَماً، تحرِق صورةً، لا أحد يعبأ بك، تكون قوياً يُصغى إليك، القوة تأتي من البناء، كل إنسانٍ درس دراسةً مُتقنة، طوَّر عمله، طوَّر اختصاصه، ساهم في بناء هذه الأُمة، ذهب إلى بلاد الغرب وعاد منها، وقدَّم خبرته لبلده، يُسهِم في النصر.
الآن هناك قضية قرارٍ اتخذه أعداؤنا بإبادتنا، صدِّقوا هذا الكلام، في الإبادة، أو في الإذلال، أو في الإفساد، أو في الإضلال، والحد الأدنى في الإفقار، يبيعوننا أشياءً لا نحتاجها إطلاقاً، ولن نستخدمها إطلاقاً، بأرقامٍ فلكية، يبيعونها بالإذعان، ويشترون بضاعتنا وموادنا الخام بأرخص الأسعار، يُعطوننا أسعار النفط، ويستردّونها عن طريق البورصات، انهياراتٌ في العالَم العربي في البورصة فقط، سبعة وثلاثون ألف إنسانٍ دخلوا المستشفى في بلدٍ عربي بسبب انهيار البورصة، يُعطوننا ثمن النفط بيَدٍ، ويستردّونه خساراتٍ تفوق حدَّ الخيال في يدٍ أُخرى.
لذلك ما لم نتعاون، ما لم نُسقِط من أيديهم الورقة الرابحة الوحيدة، الفِتَن الطائفية، ما لم نتعاون، ما لم نطوِّر أعمالنا، ما لم نرعَ المتفوقين منّا، ما لم نُعلِّم أبناءنا فلن ننتصر، ما بال معظم الناس إذا لم ينجَح الابن في السابع يُنهي دراسته، أعوذ بالله، أين الإصرار؟ جعلته خادماً، جعلته إنساناً يتكفَّف الناس من بعدك، فلا بُدَّ أن ترعى أبناءك في تعليمهم إلى أعلى مستوى، المجتمعات المتخلِّفة فيها عنوسةٌ مخيفة، فيها بِطالةٌ مخيفة، فيها فقرٌ مُخيف، وكل الأعمال المُهمَّة بيد أعداء الأُمة، أمّا الأعمال الرخيصة كضارب آلةٍ كاتبة، خادم، آذِن، فرّاش، بيد المُسلمين، هذا خطأٌ كبير.
أيُّها الإخوة الكرام: ما لم نتفوَّق فلن نُسهِم بانتصار الأُمة، والقرار الآخر قرار إبادةٍ، طبعاً غير مُعلن لكن حقيقةً، قتلٌ بغير حساب، مليون قتيلٍ في العراق، أربعة ملايين مُشرَّدٍ، مليون مُعاق، ثلاثة آلاف وثلاثمئة عالِمٍ قُتلوا، من أجل أن تبقى الأُمة على الدهماء، الأُمة بعلمائها، بقادتها، وهناك خططٌ، وتجربة العراق تجربةٌ مُخيفةٌ جداً، تُسمّى عندهم الفوضى البنَّاءة.
والله الذي لا إله إلا هو، لولا المقاومة الشديدة جداً في العراق، لطبَّقوا هذا على مُعظم بلاد المنطقة، لكن المقاومة الشديدة، ونحن مدينون لها بالفضل، ألجمَت هذا العدو الشرس عن مُتابعة احتلاله، لذلك القضية الآن قضيةٌ خطيرةٌ جداً، نكون أو لا نكون، قضية إبادة.
لكن الكلام الذي يُسمَع في الأخبار، حرية وديمقراطية، حقوق إنسان، مجتمع مدني، مجتمع آمِن، هذا كله كلامٌ فارغ لا يُقدِّم ولا يؤخِّر.
أيُّها الإخوة الكرام: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) عملك أمانة، وبيتك أمانة، وابنك أمانة، وابنتك أمانة، وكل أنواع أعمالك، هذا الإنسان الذي أمامك أمانة في عنقك.

الدعاء:


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطِنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثِرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنَا.
اللهم اعطِنا الخير كله يا ربَّ العالمين، وفِّق ولاة المسلمين لما تُحب وترضى، اجمَع بينهم على خير، بيِّن لهم طريق الحقِّ يا ربَّ العالمين.  

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور